1. youtube
  2. rss
 

اللهم إني أستغفرك من كل فريضةأوجبتها علي في آناء الليل والنهارتركتها خطأ أو عمداأو نسيانا أو جهلا

اعلانات المنتدى


أهلا وسهلا بك إلى منتديات أمل تلمسان.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
منتديات أمل تلمسان :: التعليم :: بحوثات

شاطر

2012-05-01, 17:15
المشاركة رقم:
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
Admin
الرتبه:
Admin
الصورة الرمزية


البيانات
الجزائر
firefox
ذكر
عدد المساهمات : 12330
تاريخ التسجيل : 17/03/2009
العمر : 25
التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
http://www.amaltilimsan.net

مُساهمةموضوع: بحث حول الشعر السياسي


بحث حول الشعر السياسي








لم
يكن شعر العقيدة في العصر الأموي, شعرا ذا بال من الناحية الابداعية
الجمالية, إنه دون الشعر السياسي وشعر النقائص والأيام فنا وقيمة, ولكنه
يشارك هذا الشعر فيما يحمله من دلالات تاريخية حول معتقدات أصحابه ورجاله
ومعاركهم القي خاضوها ضد السلطة. فهو, لهذه الجهه, شعر ذو قيمة تاريخية
تسجيلية نظرا لما يتناوله من أحداث ووقائع, وإن جاء ذلك على حساب المستوى
الفني له,ولعل هذا السبب هو من جملة الأسباب التي أدت الى اهماله في
المصادر على العموم. فضلا عن السبب الجوهري، وهو ان هذا الشعر شعر معارضة
واحتجاج, وليس شعر موالاة وتزكية, فلم يتصدر المدونات التي غالبا ما كانت
مدونات سلطة.
وشعر
العقيدة خلال هذا العصر يقتصر على ما تركه لنا شعراء الخوارج وشعراء الشيعة
والبيت العلوي والهاشميين من قصائد أو مقطعات وأراجيز، تصف أحوالهم
وعقائدهم, كما تشتمل على أسماء رجا لاتهم والمعارك التي خاضوها ضد السلطة
ورموزها. وهذه المعارك, هنا أيضا، في شعر الخوارج, تسمى الأيام, كيوم
دولاب, ويوم سولاف, وسلى وسلبرى وخساف وكفرتوتي وقديد وسوأها. فكأنما, في
هذا الشعر أيضا، كما في شعر النقائض والأيام, تستعاد التسمية الجاهلية
نفسها للمعارك والوقائع. فهي أيام كر وفر واغارة وانتقام, على الرغم مما
كان لهذه المعارك من بعد سياسي وديني جديد. ففي عمق الأحداث وخلفياتها،
كانت ما تزال القبلية جاثمة أو فاعلة, وتتدخل في التقسيمات الاجتماعية
والسياسية, كما تتدخل في العبارة.
وشعر
العقيدة في العصر الأموي على العموم, شعر مقصي أو منبوذ. ولم يتم تجميعه
الا حديثا، من الهوامش وثنا يا المؤلفات التاريخية والأدبية التي وجد موزعا
فيها. فقد تسنى لشعر الخوارج وأدبهم ان يجمعه من مظانه الكثيرة باحثان
معاصران هما: الدكتور إحسان عباس (1) والدكتور نايف معروف(2). وقد اكتفى
الدكتور عباس بجمع أشعارهم وحدها، أما الدكتور معروف فقد أضاف للأشعار
المجموعة والمحققة, ماوجده من خطبهم ورسائلهم في المصادر المتفرقة. والأبحاث, على كل حال, التى تتناول هذه الأشعار قليلة. ولعلها لم تبدا إلا معنهاية الربع الأول من القرن الحالي(3).
أما
شعر الشيعة, فلم ينبغ فيه, على ما وصلنا من أشعار، سوى شاعرين هما الكميت
والسيد الحميري. وأشعارهما معروفة. إلا أن أشعار الشيعة لم تجمع على غرار
شعر الخوارج.كما أن الأبحاث التي تتناول هذا الشعر قليله , بل نادرة (4).
لذلك فبالامكان اعتبار شعر العقيدة في العصر الأموي، شعرا لم ينل ما
يستحقه من عناية وبحث. وهو أمر تابع لما نال عقائدهم من تهميش وتعتيم,
ولكتبهم من نبذ، كما أشار لذلك صاحب الفهرست.(5).
شعر الخوارج: مرآة عقائدهم وأيامهم:
يمكن اعتبارالخوارج, من خلال ما وصلنا من أشعارهموخطبهم
ورسائلهم, بمثابة زهاد في حال من النفرة والتوحش, وهو أمر يناسب ما اتصفوا
به من خشونة العيش, ونفورهم الدائم من المجتمع, وتحاشي تنكب السلطة, على
الرغم من قتالهم الشرس والمتواصل لاسقاط سلطة الحكام الأمويين. ولعل تشر
ذمهم السياسي بهذا المعنى كان سلبيا , أي كانت لديهم محاولات لاسقاط الحكم,
ولم يمتلكوا تصورا أو مخططا للامساك بالسلطة. فهم في هذه الناحية بمثابة
زهاد في السلطة.
وتنسيب
شعرهم الى الزهد، أقرب الى جوهر هذا الشعر ومحتواه. فهو شعر مشبع بالموت,
بل مؤسس عليه وعلى طلابه. يقول قطري بن الفجاءة, وهو شاعر فارس من فرسانهم,
مقاتل طويل النفس خرج في أيام مصعب بن الزبير في.العراق, وقاد الخوارج في فارس (6)، في قصيدة مشهورة تعتبر من أهم قصائدهم:
" أقول لها وقد طارت شعاعا
من الأبطال ويحك لا تراعي
سيبل الموت غاية كلحي
فداعية لأهل الأرض داعي"(7)
وهو في أحدى اراجيزه, يتحسر لأن الموت أخطأه, ويدعو ربه مزيدا من الزهد
الحياة:
"حتى متى تخطئني الشهادة
والموت في أعناقنا قلادة
ليس الفرار في الوغى بعادة
يا رب زدني في التقى عبادة
وفي الحياة بعدها زهادة"(8)
فالموت غاية ومطلب الخارجي، فهم باعوا الاله نفوسهم, بأن لهم الجنة. يقول قطري بن الفجاءة من قصيدة له في يوم دولاب:
"رأت فتية باعوا الاله نفوسهم
بجنات عدن عندهم ونعيم "(9)
والرغبة في الموت يصكها البهلول بن بشر الشيباني بقوله:
"من كان يكره أن يلقي منيته
فالموت أشهى الى قلبي من العسل "(10)
وتمثلأمحكيم,
في أرجوزة لها، السأم من الحياة, ومن حمل رأسها بين كتفيها، والعناية
بغسله ودهنه, ثم تطرح سؤالا فيه من الطرافة, بمقدار ما فيه من ضجر العيش
تقول:
"أحمل رأس قد سئمت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
ألافتى يحمل عني ثقله"(11)
هذه
الرغبة في الموت لدى الخوارج هي عامة, يستثنى منها ما ورد في شعر الطرماح
بن حكيم من تلجلج بين الزهد وقطف متعة الحياة, وهذا الشغف العارم الذي نجده
في شعر الطرماح, وتوهج حب الحياة في قصائده, لعله يعزى الى تعلقه بزوجه
وأولاده, فهذا الحب حبب اليه الحياة بذاتها, وقد يكون تركحمل السلاح, وعد من القعدة, تبعا لذلك (12).
ولكن
ثمة خيطا لابد من الامساك به في هذه المسالة. فزهد الخوارج في العيش,
وزهدهم في المتعة والسلطة, لم يكن انسحابا من ساحة الحياة انسحاب العدميين
والانتحاريين, بل شكل لديهم ذلك حافزا على خوض المعارك الطاحنة والقتال
المستمر, من أجل تصويب وضع سياسي أصابه الخلل في مركز السلطة, فهذا الزهد
أورثهم الشجاعة ولم يورثهم الخوف أو الانسحاب. يقول الطرماح في أحدى قصائده
(على الرغم من غلبة القعود عليه).
"واني لمقتاد جوادي وقاذف
به وبنفسي اليوم احدى االمقاذف "
لذلك
فإن قصر أعمار الخوارج, على قول أبي العيزار, كان بسبب اعتبارهم الموت باب
الحياة, من جهة, ولرغبتهم في أن يموت الواحد منهم حتى آخر الموت. لأن الموت
عينه سيميته الموت في النهاية, فكل شيء فانوموت الموت معنى سبق اليه شاعرهم عمران بن حطان في قوله
" لايعجز الموت شيء دون خالقه
والموت فان إذا ما ناله الأجل "(14)
لقد سبق بهذا المعنى المبتكر المتنبي، الذي يورد في أحدى قصائده موت الموت, وذعر الذعر، كما سبق له الشاعر الانجليزي Donne, حين صرخ: "أيها الموت, إنك ميت لا محالة ». "death, Thou Shalt Die' »
والموت
المرتجى للخارجي ليس في كل حال, موت الفراش أو موت القعدة, بل هو الموت
الملحمي, وهو ما منحهم الشجاعة في الحروب. ولعل ثمة صورة تلج على الكثير من
اشعارهم, هي صورة قبر الخارجي على أنه بطن الطير أو النسر. يقول عمران بن
حطان:
"أكرم بقوم بطون الطير قبرهم "
ويقول الطرماح: «ويصبح قبري بطن نسر مقيله "(17)
فمقولة
الموت, مقولة أساسية في شعر الخوارج, وهي سدي ولحمة الكثير من هذه
الأشعار, وتحمل دلالة من دلالاتهم الاعتقادية. كما تحمل دلالة أخرى على
شجاعتهم في القتال والمواجهة.
يضاف الى ذلك, هذا الجمع الفذ بين حدي الزهد من جهةوالشجاعة
الملحمية في الحرب من جهة وقد سبقهم الى هذا الجمع خصمهم الأول الامام علي
بن أبي طالب, فهو زاهد مقاتل, وهي من المفارقات التي تستدعي الانتباه.
لذلك كان رأي علي فيهم متوازنا, على الرغم من أنهم الد أعدائه. فقد اعتبرهم
فئة طلبت الحق فأخطأته, وهم يختلفون بنظره, عن فئة أخرى طلبت الباطل فوقعت
عليه لذلك نصح أصحابه الا يحاربوا الخوارج من بعده أبدا.
وقد
اشتهر من بينهم في الزهد والعبادة عدد كبير. من بينهم عروة بن حدير أحد بنى
ربيعة بن حنظلة. وكان كثير العبادة جريئا في الحق. كفر زيادا في وجهه فأمر
به فصلب ( 18)ومنهم
صالح بن مسرح, كان ناسكا، لكنه لم يدع للقعود، بل خرج بنفسه بعد اتفاق
بينه وبين شبيب, عاد فانفصل عنه وله في نفوس الخوارج مقام كبير ومنهم مرداس
بن أدية, وهو يعتبر من قيادييهم الفرسان الأكثر تقي واستقامة, وأدى مقتله
عام61هـ، الى فزع في قلوبهم وحزن كبير عليه, انعكس في أشعارهم(19 ).
وأشعارهم تعكس هذه الناحية التعبدية فيهم يقول عمرو القنا بن عميرة
العنبري, واصفا أصحابه منهم:
"معي كل أواه برى الصوم جسمه
ففي الوجه منه نهكة وشحوب (20)
ويقول قيس بن الأصم الضبي:
"صلى الاله على قوم شهدتهم
كانوا إذا ذكروا أو ذكروا شهقوا"(21)
أما
السمة الثالثة من سمات شعر الخوارج, وهي سمة ذات قيمة تسجيلية وتاريخية,
تسمح لنا باعتبار الكثير من اشعارهم بمثابة وثائق تاريخية دالة على حروبهم
وأحوالهم, فهي تسجيلهم لهذه الأيام والمعارك في قصائدهم, وذكرهم لأسماء
القواد والمحاربين, ولبعض ما جرى في تلك المعارك. حتى أن بعض شعرهم يذكر
لنا عدد المقاتلين من كل فريق, في المعركة. فنحن نعرف, من بيت لعيسى بن
عاتك الخطي في يوم آسك, وقد انتصر فيه الخوارج على جيش أموي كبير، أن عدد
الخوارج كان أر بعين, وعدد جيش العدو كان ألفين, وذلك من خلال قولة:
" أألفا مؤمن فيما زعمتم ويهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا(22)
ونحن نعرف من شعرهم ما جرى في يوم دولاب, وما كان من مقتل نافع بن الأزرق الحنفي زعيم الأزارقة فيه,
وما جرى في يوم سولاف (22)، حيث سجلوا نصرا على المهلب بن أبي صفرة الى
يوم جيرفت, ويوم دقوقاء، وهما يومان انتصر فيهما الحجاج وشتت شملهم من بعد
ذلك, ويوم قوس وهو اليوم الذي قتل فيه عبيدة بن هلال اليشكري, ويوم خساف
الذي انتصر فيه الضحاك بن قيس الشيباني, ويوم كفرتوتى حيثقتل الضحاك, ويوم قديد, وهو يوم انتصار أبي حمزة الخارجي، ودخوله المدينة منتصرا (سنة 130هـ) وخطبته المشهورة فيها (24).
ولهم أبيات وقصائد في معارك سلى وسلبرى (25)، وعين الجوسق (26)، وهي بمثابة سجل لمعاركهم ووقائع أيامهم.
ولم
يكن أحد من شعراء الخوارج ليحترف الشعر أو يتكسب به, على عكس ما اتصف به
شعراء البيت الأموي السياسيون, فقد اتخذوا من الشعر حرفة وتكسبا. وكان
الخوارج ينفرون من التكسب بالشعر، ويعتبرونه منقصة. فقد انتقد عمران بن
خطان الفرزدق, حين سمعه ينشد شعره متكسبا, ونصحه بالا يطلب شيئا إلا من رب
العباد وأبياته في ذلك مشهورة, وهي:
"أيها المادح العباد لتعطي إن لله ما بأيدي العباد
فاسال الله ما طلبت إليهم وارج فضل المقسم العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمي البخيل باسم الجواد "(27)
وهذا الشعر يتمتع بخصائص تكاد تكون متشابهة, فهو "يقدس الانسان الخارجي تقديساعميقا"(28)كما
يقول احسان عباس, ويعتبر العصبة الخارجية العصبة المثالية ويعكس حدتهم
العقائدية في أسلوبهم الكتابي، الذي جاء متوترا، وجاءت أبياتهم وكأنها معدة
لرجز المعارك. وقد استخدم كثير منهم الرجز, لهم أراجيز كثيرة في حربهم مع
المهلب. منها:
"حتى متى يتبعنا المهلب
ليس لنا في الارض منه مهرب
ولا السماء...أين.أين المذهب. ؟"(29)
كما
اشتهر منهم بين الخوارج نساء مقاتلات وشاعرات, منهن أم حكيم وهي التي شبب
بها قطري بن الفجاءة, وقد حاربة معه, وكانت "جميلة " الوجه, شجاعة, متمسكة
بعقيدتها. ولها مقام كبير في نفوس الخوارج (30).
وتذكر مريم الجعيداء, امرأة أبي حمزة. قالت مرتجزة وهي تقاتل:
"من سال عن اسمي فاسمي مريم
بعت سواري بسيف مخذم "(31)
وهذه الأشعار وسراها تظهرهم وكانهم يقولون الشعربلسان واحد (32).
وهي
أشعار تنطوي بمجملها على ضعف فني وبلاغي بين. فهي لهذه الناحية لا تستحق
الاهتمام من مؤرخي الأدب, ولكنها تنطوي على قيمة تسجيلية كما سبقت الاشارة.
وذلك لشدة تطابقها مع حياة الخوارج. وفي هذه النقطة بالذات, يكمن "سر قوة
الشعر الخارجي وضعفه في آن » (33). وهو مأزق كلشعر
ملتزم على العموم. إن ذلك لا يعني أن جميع ما وصلنا من شعر الخوارج, مشمول
بحكم واحد. فإن الثلاثة الكبار من بينهم, وهم عمران بن حطان (34) والطرماح
بن حكيم (35), وقطري بن الفجاءة (36)، يمتازون بخصائص إبداعيه عالية، سيما
الطرماح من بينهم, حيث يعده اخباريو الأدب, خاصة علماء اللغة منهم, كأبى
عبيدة والأصمعي, في الطبقة الأولى من الشعراء (37). ومعظم شعر الطرماح في
العصبيهالقحطانيه (38). كان له اهتمام بالغريب
من اللغة, حتى قيل إن ابن الاعرابي عجز عن تفسير ثماني عشرة مسألة من غريب
شعره (39). ولعله أخذ ذلك عن رؤبة بن العجاج (40). يقول في أصحابه الشراة:

"لله در الشراة.فهم إنهم إذا الكرى مال بالطلى أرقوا
يرجعون الحنين آونة وإن عاد ساعة بهم شهقوا
خوفا تبيت القلوب واجفة تكاد عنها الصدور تنفق
كيف أرجى الحياة بعدهم وقد مضى مؤنسي فانطلقوا"(41)
اما بنيته اللغوية فتتصف بالملحمية الموسيقية(42). وكان الأصمعي يستجيد قوله في وصف الثور:
"يبدو وتضمره البلاد كأنه سيف على شرف يسل ويغمد(43)
أما
قطري بن الفجاءة فهو شاعر وفارس. ومقاتل طويل النفس, خرج في أيام مصعب في
العراق, وقاد الخوارج في فارس (44)، سلمت عليه الخوارج بإمارة المؤمنين
لمدة عشرين سنة. ذكر في شعره الأيام التي خاضها ضد السلطة الأموية, منها
قصيدة أوردها المبرد له و الكامل, في يوم دولاب (45). كما أورد مراسلات
جرت بينه وبين الحجاج (46).
ويعتبر عمران بن خطان شاعرا وخطيبا وفقيها من أهم رجالات الخوارج (47 ). كان قبل انضمامه اليهم مشتهرا بطلبالعلم والحديث (48) البصرة, ثم التقى بابنه عمه جمرة وكانت على مذهبهم فأحبها وتزوجها فجذبته الى مذهبها، ولكنحبه لها ولبناته, حبب اليه الحياة,فجاء شعره قلقا, صادقا,تخترق جمود العقيدة فيه خيوط من حرارة الحياة نفسهاوتناقضاتها.
وحين
اشتهر أمر عمران بن حطان, طلبه الحجاج وطارده من بلد لآخر، فأقام فترة في
الشام متخفيا لدى روح بن زنباع الجذامي, وانتسب الى الأزد, ثم اكتشف أمره
ففر، وترك لابن زنباع, قصيدة يعتذر اليه فيها، ومنها:
"يا روح كم من أخي مثوى نزلت به قدظن ظنك من لخم وغسان
لو كنت مستغفرا يومالطاغية كنت اقدم فيسري وإعلانى "(49)
ووصل الى الجزيرة, فنزل على زفر بن الحارث الكلابي زعيم قرقيسيا, وادعى بأنه أوزاعي, ثم حين اكتشف أمره فر من عنده وقال:
"إن التي أصبحت يعيي بها زفر أعيتعياء على روح بن زنباع"(50)
ثم ارتحل الى عمان, وكانوا يعظموا أمر أبي بلال, واستقرأخيرا في الكوفة, ونزل على قوم من الأزد لم يسألوه عن نسبه (51) وبقي هناك حتى مات (52) وشعره معرض لهذاالتنقل, والقلق بين الحب والحرب, وهو شعر مشبوب العاطفة,صادق العقيدة, متين السبك حتى ليقترب فيه صاحبه منمذاهب البدو القدماء(53).
شعر الشيعة.
ما وصل
الينا من شعر الشيعة في العصر الأموي, وهو قليل, وصل متسللا في ثنايا
الأخبار والكتب, نظرا لما كان يحاط به هذا الشعر من حصار، وما يتحمله
اصحابه من ملاحقة وتعقب. إنه شعر آت من منطقة حصار سياسي وعقائدي إذا صح
التعبير, بل لعل شأنه كان شبيها بالبيانات السرية, التي يتم تداولها في
الخفاء بين أهل العقيدة, إن كثيرا من القصائد, قيلت, ثم استترت في هذا
العصر، لهذا السبب, وظهرت فيما بعد، في مدونات العصر العباسي التاريخية
والأدبية, مع التحفظ عينه تجاه أهل البيت العلوي، من حيث أنهم شكلوا في
العصرين معا، منطقة نبذ تاريخي، أو تنكيل.. فجاء شعرهم مبتسرا، ولم يصل منه
سوى القليل.
فقد استترت في العصر الأموي، قصيدة قالها عوف بنعبدالله بن الأحمر الأزدي، يرثي فيها الحسين (ع ) ويذكر فيهادعوة أهل الكوفة له, ثم نقضهم للعهد من بعد ذلك, ويورد فيهاما تعارف عليه الشيعة فيما بعد، من امنية في مصاحبته يومالطف للفوز معه بالشهادة, والتي تختصرها العبارة التالية "يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزا عظيما»، فهو يقول في هذهالقصيدة:
فياليتني إذ كان كنت شهدته فضاربت عنه الشائنين الأعاديا
ودافعت عنه ما استطعت مجاهدا وأعملت سيفي فيهم وسنانيا(54)
ويذكر عوف أنه شهد مع الامام علي معركة صفين, ثميحرض على الثأر للحسين, فيقول:
"ونحن سمونا لابن هند بمحفل كرجل الدبا يزجي إليه الدواهيا
فلما التقينا بين الضربأينابصفين كان الأضرع المتوانيا
لبيكحسينا كلما ذر شارق وعند غسوق الليل من كان باكيا
لي الله قوما أشخصوهم وعردوا فلم ير يوم البأس منهم محاميا
ولا موفيابالعهد إذ حمس الوغي ولا زاجرا عنه المضلين ناهيا"(55)
وكان من الطبيعي أن تستتر هذه القصيدة في العصر الأموي، كما ذكر ذلك الأمدي في خبر عن ابن الكلبي (56)، فهيبمثابة بيان خطير ضد معاوية وابنه يزيد، واعلان موقفسياسي مؤيد لعلي وابنه الحسين.
ولم
يصلنا من عوف بن عبدالله بن الأحمر الأزدي شعر كثير. إنما هي قطع تتسرب
تسربا من مناطق الحصار. وقل الأمر عينه بالنسبة لشعراء آخرين أعلنوا ولاءهم
للبيت العلوي. واللافت أن من بينهم اثنين يعودان بنسبهما الى البيت الأموي
بالذات, ويرجعان الى عبد شمس بن عبد مناف. إلا أنهما كانا علويي الولاء،
وهما العبلي (57)
وعبدالرحمن بن الحكم. ولكليهما اشعار قليلة في مديح آل البيت, والتحسر على
الحسين بن علي يروي أن عبدالرحمن بن الحكم كان موجودا في بلاط يزيد، حين
ورود رأس الحسين عليه. ووضعه أمامه في طشت. فبكى عبدالرحمن من هذا المشهد، فنهره يزيد (58). واليه ينسب بيت الشعر التالي:
»سمية أمسى نسو عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل "
وقال حين ادعى معاوية زيادا ومنحه نسبه:
"ألاأبلغ معاوية بن حرب مغلغلة من الرجل الهجان
أتغضب أن يقال أبوك عف وترضى أن يقال أبوك زان
فاشهد أن رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الأتان
وأشهد أنها ولدت زيادا وصخر من سمية غير دان "(59)
وتنسب هذه الأبيات في الوقت نفسه الى ابن مفرغ الحميري، وذلك بتغيير كلمة, في نهاية البيت الأول, وهي «الهجان " ومعناهاذوالحسب, لتصبح «اليماني» فتنسجم مع نسب ابن مفرغ, وهو من قبيلة حمير اليمانية. ويرى الأصفهاني أن نسبتها لابن مفرغ خطأ (60).
ومهما كان لهذه الأخبار عن عبدالرحمن بن الحكم من نصيب في صحة الرواية
التاريخية, فهي وان لم تكشف ولاء علويا صريحا, فإنها على الأقل, تكشف طرقا
مما كان يدور في البيت الأموي نفسه من خصومة. لكن أهم شاعرين شيعيين عاشا
في العصر الأموي، هما الكميت بن زيد الأسدي والسيد الحميري.
والكميت شاعر من بني سعد بن ثعلبة, يصفه الأصفهاني بأنه «شاعر مقدم عالم بلغات العرب خبير بأيامها، من شعراءمصر والسنتها والمتعصبين على القحطانية, العلماء بالمثالب والأيام (61). ولد أيام مقتل الحسين بن علي (ع ) سنة(60هـ)ومات سنة ست وعشرين ومائة في خلافة مروان بنمحمد الجعدي (62)، فيكون بذلك قد عايش أكثر خلفاء بنيأمية, وشهد ابرز الحوادث في عصرهم.
والكميت بن زيد شاعر غزير (63)، يذكر الأصفهانى أنهترك حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتا (64)، أشهرها قصائده المعروفه «بالهاشميات » (65)، وهي من افضلشعره.
وهو لا يخفي خوفه من بني أمية, وخشيته من سيفهم أومن قطع الرزق عنه ولكنه يهجوهم على الرغم من ذلك ويمتدحبني هاشم إذ يقول:
" فقل بني أمية حيث حلوا وان خفت الهند والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجودكم أجيعا
بمرضى السياسة هاشمي يكونحيا لأمته ربيعا"(66)
والهاشميات سجل مديح وهجاء. وقد اخذت طريقها الىالشهرة في العصر الأموي بالذات, على الرغم من الحصارالمضروب على هذا النوع من الشعر. يروي بأن الكميت أسمعالفرزدق قصيدته البائية المشهورة ومطلعها:
"طربت وما شوقا الى البيض اطرب
ولالعبا مني وذو الشيب يلعب "(67)
وفيها بيته ذائع الصيت:
بني هاشم رهط النبي فإنني بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
فقال له الفرزدق ؛ «يا ابن أخي أذع ثم أذع فأنت والله اشعرمن مضى وأشعر من بقي"(68).
وهي قصيدة من اهم ما قال الكميت, نجد فيها إعلانه لحبآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، رهط النبي، الذين يرضى لرضاهمويغضب لغضبهم, على ما يقول, وهو يشير الى انه يذم في هذاالحب, ويطارد، ويرمي بالعداوة ويؤذي ويؤنب. والقصيدة منهذا الباب, وثيقة ناطقة بمعاناة البيت العلوي وأنصاره في ايامبني أمية, وهو ما تذكره لنا المصادر التاريخية, على كل حاليصوره الكميت لنا شعرا.
هذا على انه يروى عنه مديح لبني امية في القصيدة التييقول فيها:
"فالآن صرت الى أمية والأمور الى مصاير"(69 (
ولعل ذلك كان منه تقية وخوفا, بعد أن حبسه خالد بن عبدالله القسري في الكوفة, فتشفعت له زوجته «حبى» لدى مسلمةبن
هشام بن عبدا لملك, الذي طلب من ابيه الخليفة أن يصفح عنه, ففعل وأمر
باخراجه من السجن, وكتب الى خالد بأمانه وأمان أهل بيته, وأعطاه عطاء جزيلا.
وقد عاتبه فيما بعد أبو جعفر فحمد بن علي في ذلك, فاجابهأنه لم يقصد به إلا الدنيا, وأنه يعرف فضلهم, فعذره الامام بذلك, باعتباره من باب التقية (70). ولاقى الكميت حتفه سنة126هـعلى يد جند خالد القسري, يوم خرجت الجعفرية علىخالد، فهو يكون بذلك قد دفع حياته ثمنا لولائه العلوي. وهناكمن يرى أنه قتل على يد جند يوسف بن عمر, تكوه حين انشديوسف مديحا له معرضا بخالد، وكان جند يوسف يتعصبونلخالد، فنهضوا به فقتلوه(71).
أما السيد الحميري (72) وهو لقبه, فهو شاعر من شعراءالشيعة, المنبوذين, مات ذكره, على ما يروي الاصفهاني وانتبذشعره لما كان له من موقف معاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلموأزواجه (73). وكان أبواه من الخوارج. وكانوا يقيمون في البصرة, حيث ولد السيد عام105هـ(74)ويشتمان علي بنأبى طالب أمامه. يقول: «طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة » (75) وهو لذلك هجا والديه حيث يقول:
" لعن الله والدي جميعا ثم أصلاهما عذاب الجحيم"(76)
وحين سئل من أين أتى اليه التشيع, على الرغم من بيئته الخارجيه, قال: «غاصت علي الرحمة غوصا"(77).
وهو يفتخر بأحواله اليمنيين. وولائه العلوي. نقل عنهالجاحظ قوله:
إني امرؤ حميري غير مؤتثسب جدي رعين وأخوالي ذوويزن
تم الولاء الذي ارجو النجاة به يوم القيامةللهادي
أبي الحسن(78) ودفع السيد الحميري ثمن هذا الولاء. فقد حبسه عبيد الله بن
زياد وعذبه, وذلك حين هجا زيادا وبنيه, ولكن معاوية أطلقسراحه(79).
وقد كان, على ما يروى عنه من الشيعة الكيسانية. وهما الذين يدينون بالولاء لمحمد بن الحنفية. يعتقدون أنه لم يمت, بلهو غائب مقيم في جبل رضوى، أسد عن يمينه ونمر عن شماله,وبين يديه عسل وماء. وقد ترجم السيد الحميري هذا الاعتقادبأبيات شعيرة منسوبة اليه وهي:
ألا إن الأئمة منقريش ولاة الحق أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه هم الأسباطليس بهم خفاء
فسبطسبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلا
وسبط لا يذوق الموت حتي يقود الخيل يقامها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء(80)
وقد نسبها الأصفهاني له في موقع, ولكثير عزة في موقعاخر(81), من دون أن ينتبه لهذا التناقض. والأخباريونيخلطون أحيانا بين أشعار ومواقف السيد الحميري وأشعارومواقف كثير، نظرا لتشيع الاثنين, وكيسانيتهما معا. وقيلإن السيد الحميري تراجع عن كيسانيته فيما بعد وتولىجعفر بن محمد الصادق. وقال في ذلك قصائد تسمىالجعفريات وهي قصائد هزيلة تختلف عن السياق المتينالذي عرف به شعر السيد. مما يضع دائرة من الشك حولنسبتها اليه. وهو ما يتفق مع رأي راويته المسمى «ابنالساحر». فهو ينفي الجعفريات عنه, ويعتبرها منحولة,قيلت بعده(82).
وشعر السيد مرآة لعقيدته فهو من الشعراء القلائل الذينجاهروا بحب علي بن أبي طالب,وآل البيت فوصفه بالبروالتقى، حيث يقول:
أقسم بالله وآلائه والمرء عماقال مسؤول
أن علي بن أبي طالب على التقى والبر مجبول(83)
كما رثى الحسين بن علي بقصيدة باكية لا يزال الشيعةيرددونها حتى اليوم في مجالس العزاء. وهي:
أمرر علىجدث الحسين فقل لأعظمه الزكية
أأعظما لا زلت من وطفاء ساكبة روية
وإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطية
وابك المطهر للمطهر والمطهرة النقية
كبكاء معولة أتت يوما لواحدها المنية(84)
وقد استنشده إياها جعفر بن محمد حتى انحدرت دموعهعلى خديه, وعلا الصراخ من أهل داره (85).
وهناك شاعران يقتض التوقف عند ما نسب اليهما منتشيع, هما الفرزدق وكثير. فالمصادر التاريخية والأدبية تذكر أنهما كانا علويي الولاء. لكن هذه المصادر لا تخلو من تناقض.فكثير، الذي يصفه الأصفهانى «بغلوه في التشيع »(86)، اشتهربأنه " شاعر بنى مروان » (87) وقداختص بعبدالملك بن مروان,وله في مدحه قصائد مشهورة (88). ويروى أن عبدا لملك كانيخرج شعر كثير الى مؤدب أولاده مختوما يرويهم إياه ويرده(89). وقدم على يزيد بن عبدا لملك فامتدحه بقصائد مشهورة. ومع ذلك, يعده الأشعري في مقالات الاسلاميين, منالشيعة الكيسانية, فرع الكوبية منهم, وهم أتباع أبي كرب الضرير (91). وينسب له الأبيات انفه الذكر:
"ألا إن الأئمة من قريش.. الخ"
وتذكر المصادر له أبياتا أخرى تدل على ولاشه لآل البيت.
منها:
يامن الطير والحمام ولا يامنآلالرسول عند المقام
رحمة الله والسلام عليهم كلما قام قائم الاسلام(92)
ولا شك في أن كثير كان علوي الولاء، لكنه لم ينخرط فيحزب سياسي, ويرهف شعره في خدمة العقيدة, علي غرارشعراء
الخوارج, ولم يمنع ولاؤه المعلوي، عبدا لملك بن مروان ويزيد بن عبدا لملك
من استمالته واكرامه, فقال فيهما القصائد الجياد، ولعل ذلك لم يكن بدافع من
التكسب وحده, بل بنتيجة موقف سياسي مهادن لعبدا لملك, وهو موقف عرف به عي
بن الحسين (زين العابدين ) ومحمد بن الحنفية, لا من باب الولاء، بل من باب
المفاضلة. فقد اضطرهما عبدالله بن ا لزبير لهذا بالموقف, حين اذاهما أشد
الاذى، وأظهر لهما أكبر العداوة, حتى أنه هددهما بالحرق بالنار، إن لم
يعلنا مبايعته بالخلافة.
وكان
موقف الفرزدق شبيها بموقف كثير، من حيث ولاشه العلوي، ومديحه لخلفاء بني
أمية. فهذا الولاء لم يمنعهم من تكريمه, وذلك لجلالته في أعينهم ولطف محله
في أنفسهم (93)، على ما يقول الأصفهاني.
شعر الصعاليك
(هوامش الدولة والمجتمع)
عاشت على هامش المجتمع الأموى فئة من الخلعاء والفتاك الصعاليك الشعراء، حملت لنا أشعارهم (94)
صورة حيه عن الحياة الوعرة التي عاشوها في الفيافي والقفار بعيدا عن
المجتمع وعلى خوف دائم من الحاكم. وهي أشعار تحصل نبرة احتجاج رائعة,
وشديدة الصدق, ضد السلطة السياسية والمجتمع المدني معا. وهؤلاء الصعاليك لم
يكونوا لصوصا وخراب إبل دائما, عل الرغم من قيامهم بذلك في كثير من
الأحيان, بل وجدت لديهم نوازع نحو تحقيق العدالة الاجتماعية, واعادة توزيع
الثروة, من خلال الاغارة على اموال الأغنياء والتجار، وابلهم, وتوزيعها من
بعد ذلك على الفقراء, وهي سمة وسمتهم بصفة الفروسية, والفتوة وأبعدتهم عن
أن يعتبروا مجرد لصوص وجماعة سلب ونهب واغارة. ولعله كان هناك نظام للصعلكة
والفتوة, وصل الى الاسلام, من أيام الجاهلية. فقد عرف صعاليك فتيان,
اتصفوا بالنجدة, وساعدوا الضعفاء والفقراء, وأبرزهم في الجاهلية عروة بن
الورد، الشاعر المعروف وصاحب المعلقة. وكان يسمى «عروة الصعاليك "«لجمعه اياهم وقيامه بأمرهم إذا اخفقوا في غزواتهم »(95) . وهؤلاء الضعفاء من القبائل,
كانوا عاجزين عن العيش في مجتمع قاس قائم على الاغارة والسلب, ومؤسس على
القوة. وكانوا امام قدرهم الصحراوي هذا، بين مسيرين: إما الموت المحتم جوعا
وعجزا،أوتكفل صعاليك
ذوي نجدة ومروءة, كعروة بإطعامهم واغاثتهم بالاغارة والغزو. فقد كان على
ما ينقل الاصفهاني, يجمع الناس من المرضى والشيوخ والضعفاء من قبيلته, في
ايام الشدة, ويصنع لهم حظائر يؤويهم فيها، ويخرج بمن يبرا من مرضه أو يقوى،
فيغير بهم ويقسم بينهم ما يغنمون من غنائم, ثم يعيدهم الى أهلهم (96).
والى هذه القسمة أو الشركة, يشير في معلقته حيث يقول:
وإني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد(97)
"أفرق جسمي في جسوم كثيرة "
وكان أهم حلف عرف في الجاهلية, لنصفة المظلومين, الحلف الذي عرف بحلف الفضول تداعت له قبائل من قريش, فاجتمعوا في دار عبدالله بن
جدعان
لشرفه وسنه, وتعاهد كل من بني هاشم وبني المطلب وأسد بن عبدا لعزي وزمرة بن
كلاب وتيم بن مرة وتعاقدوا على الا يجدوا بمكة مظلوما من أهلهاوغيرهم ممن دخلوها من سائر الناس الا قاموا معه وكانوا علىمن ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلفالفضول » (98) وقد شهده الرسول صلي الله عليه وسلم وامتدحه بقوله: "لو ادعى به في الاسلام لأجبت » (99).
ويرى أحمد أمين أنه لولا هذا النوع من الصعاليك, «لما كان حلف الفضول..»(100 )إلا ان في هذا الرأي مبالغه لا ريب فيهافحلف الفضول جاء استجابة لحاجة تنظيمية قديمة في المجتمعالجاهل في مكة فقد سبقته أحلاف أخرى بين القبائل, يذكر منها (101),فجاء حلف الفضول تتويجا لهذهالأحلاف.
إلا أن
الصعلكة, كحالة من الحالات الشاذة والهامشية, اتصفت بها مجموعة من الناس
في المجتمع الجاهلي القبلي, توارت نسبيا مع قدوم الاسلام, وحركته القتالية
من خلال الفتوح, ومن خلال نظامه الاجتماعي والاقتصادي الذي انصف الفئات
الفقيرة في المجتمع.
وقد
سعى الرسول صلي الله عليه وسلم الى انصاف جماعة كانوا في جبل تهامة,
يغتصبون المدرة وهم من كنانة ومزينة والحكم والقارة ومن تبعهم من العبيد.
وقد وفد منهم وفد على رسول الله صلي الله عليه وسلم فكتب لهم كتابا جاء
فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم
"هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لعباد الله العتقاء:
إنهم
إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة, فعبدهم حر، ومولاهم محمد ومن كان
منهم من قبيلة لم يرد اليها, وما كان فيهم من دم أصابوه, أو مال أخذوه فهو
لهم, وما كان لهم مندين في الناس رد اليهم, ولا ظلم عليهم, ولا عدوان. وإن لهم علىذلك ذمة الله وذمه محمد، والسلام عليكم "(102).
فالإسلام من خلال هذا الكتاب -
الوثيقة, حررهم بشرط إقامة الصلاة وايتاء الزكاة, كما أنه سوى ما سبق هذا
العهد من أوضاع شاذة: فلا يرد من لاذ بهم من قبيلة اخري، الى قبيلته, لكيلا
يتعرض للانتقام, ولا يطالبون هم بما كانوا اصابوه من مال أو دم أي لا
يردون مالا ولا يطالبون بثأر أو دية, ويبقى لهم ما في ذمة الناس من دين
فيرد اليهم.
وهو من
أعظم العهود انصافا لهذه الفئة من شذاذ المجتمع, لقد أدرجهم الرسول الأعظم
في المجتمع الاسلامي ادراجا كليا بلا محاذير أو ذيول أو تحفظات فتحول عدد
كبير منهم مع الاسلام نحو الفتوح أو التفقه في الدين, ومنهم سارية بن زنيم
الدائلي الكناني، وأبو ذر الغفاري جندب بن جنادة, فقد كان من صعاليك
الجاهلية, يقطع الطريق ويغير على النوق عند الفجر (103)، فهداه الاسلام الى سواء السبيل, ولعل صلابته في الحق, وقسوته في فضح الانحراف الذي حصل في المجتمع في أواخرعهد عثمان وأيام معاوية, مستمدة من طبائعه التي اتصف بهاأيام صعلكة الجاهلية,إلا أنه وضعها لاحقا في خدمة الاسلاموعانى هؤلاء الصعاليك المتدرجون في الاسلام, خلال الفتوحوالجهاد معاناة كبيرة. ولقي عدد كبير منهم مصرعه في ساحة القتال(104).
ومع
مجيء العصر الأموي، حصل تغير في المجتمع البدوي الذي حاول الرسول صلي الله
عليه وسلم أن يحل مشاكل الصعاليك فيه, بإدراجهم في حالة الاسلام, كما سبقت
الاشارة. فقد أهمل الأمويون سكان البادية على العموم, مما أوقعهم في الفقر
والحاجة وأعاد بعضهم الى أعمال اللصوصية والسلب.
وكانت
الدولة في أيام معاوية, قد غضبت على قبائل نجد، بسبب انحياز هذه القبائل
الى علي, كما غضب عليهم عبدا لملك بن مروان, لأن ولاءهم كان في أيامه مع
عبدالله بن الزبير, أومع الخوارج, فنكل بهم ولاته تبعا لذلك (105)، فعادت الصعلكة للبوادي، واشتهرت قبائل بعينها بذلك, كانت من القبائل الفقيرة, منها قبيلة «تميم ",
فقد ظهر منها عدد من الصعاليك واللصوص, أشهرهم وأهمهم مالك بن الريب
المازني التميمي, الذي كانت تلوذ به عصابة فتاك, منهم أبوحردبة, وشطاط
الضبي وغويث, أو غيوث, وكانوا يعيشون في منطقة القسيم في نجد، فتشتتت معه
هذه العصابة غربا نحو اليمامة, منتقلة من منطقة نفوذ زياد بن أبيه الى
منطقة نفوذ مروان بن الحكم, الذي كان واليا على الحجاز في أيام معاوية,
وبقي مشردا في الصحراء, وولاة بني أمية يلاحقونه, حتى القي عليه القبض مع
أبي حردبة وكان ذلك على يد رجل من الأنصار, ساقهما الى الحارث بن خاطب
الجمحي، وهو عامل مروان على بني عمرو بن حنظلة التميميين. لكن مالكا غافل
الأنصاري وغلامه واستل سيف الغلام و قتله به, وارتد الى الانصاري وقتله,
وفك أسر رفيقه أبي حردبة وفرا معا نحو الاحساء (106) وفي ذلك يقول: أحق علي اسلطان: أما الذي له فيعطي وأماما يراد فيمنع(107)
ولعل عصابة مالك كانت معروفة بذكرها أحد الرجاز بقوله:
"الله نجاك من القصيم وبطن فلج وبني تميم
ومن أبي حردبة الأثيم ومالك وسيفه المسموم
ومن شظاظ الأحمر الزنيم ومن غويث فاتح العكوم"(108)
وهي
أبيات تدل على افراد هذه العصابة بأسمائهم, وتدل على المكان الذي كانوا
يقطعون فيه الطريق,كما تدل على ما اتصف به بنو تميم خاصة, من لصوصية
وصعلكة. ويعتبر مالك بن الريب (109) أشهر الشعراء الفتاك في العصر الأموي. هرب من الحجاج بن يوسف لأنه قال فيه أبياتا هجاه فيها،وعيره بأنه لولا بنو مروان, كان سيبقى عبدا من عبيد إياد, يعلم الصبيان في القرى (110).
وتشرده
الطويل في الصحراء جعله ماثلا أمام كائناتها ووحوشها. يصف هذه الكائنات
ويصارعها. ومعايشته للذئاب لم تجعله أليفا لها، على غرار القتال الكلابي،
بل أدخله معها في صراع الموت
يصف معركة له مع الذئب فيقول:
أذئب الغضا قد صرت للناس ضحكة
تفادى بك الركبان شرقا الى غراب
(.......)
زجرتك مرات فلما غلبتني
ولم تنزجر نهنهت غربك بالضرب(111)
لكن هذا التشرد حرك في نفسه الحنين الى أهله وأولاده. فنجد في شعره عاطفة مشبوهة. نحو زوجه وابنته يقول في ساعة الوداع:
ولقد قلت لابنتي وهي تبكي بدخيل الهموم قلبا كئيبا
أسكتيقد حززت بالدمع قلبي طالما حز دمعكن القلوبا (112)ولعل هذه العاطفة والحنين الى الاستقرار بعد طول تشرد في الصحراء, مالا به نحو ما يشبه النسك أو الزهد. فأمنه بشربن مروان, وخرج الى خراسان, فغزا مع سعيد بن العاص) أو سعيد بن عثمان بن عفان )(113)، ومات في تلك البلاد بعيدا عن أهله, عليلا أو ملدوغا، وكتب في موته أجمل ما كتبه من شعر: قصيدته اليائية الرائعة وهي قصيدة تستحق وقفة تأمل, نظرا لما تحمله من شحنة وجدانية مؤثرة, تجعلها واحدة من أجمل المراثي العربية (114).
ويروى أن ابن الريب قال هذه القصيدة, بعد أن لدغته أفعى، وأحس بالسم يسري في جسده, فرثى نفسه بها قبل أنيموت وهى مسألة مشكوك فيها سيما ان ثمة من يذكر أنه رثى نفسه بهذه القصيدة, قبل موته بسنه (115). إنما بالامكانالوصول الى تحديد بعض ظروف وفاة مالك بن الريب من خلال اشارات القصيدة نفسها. فهي في البيت الخامس عشر تشير الى أن موته كان بقفرة:
صريع على أيدي الرجال بقفزة يسوون قبري حيث حم قضائيا
كما تحدد القصيدة المكان, أكثر, فتذكر أن ذلك كان عند مرو
"ولما تراءت عند مرو منيتي.... "، وأن الموت حصل خلال سفر مالك مع صحبه:
يقولون لا تبعدوهم يدفنوني وأين مكان البعد إلا مكانيا
غداة غد يا لهف نفسى على غد إذا أدلجوا عني وخلفت ثاوياوهذه
الاشارات في القصيدة تدل على موت مالك في قفر، خلال السفر الى مرو ولكن هل
مات في علة, أم من لدغة أفعى؟ وهل يسمح الوقت الفاصل بين اللدغة والموت
بقول هذه القصيدة الطويلة ؟
ويبقى
أبدع ما في هذه القصيدة, هذا الحس الدرامي العنيف, الذي يصور وقوف فارس
مقاتل من فرسان الصحراء, صعب القياد، شجاع في الحرب, موقفه الصعب أمام
الموت.. حيث لا يجد من يبكي عليه, سوى السيف والرمح الرديني وحصانه الوحيد
الذي يجر عنانه الى الماء, ولا يجد من يسقيه.
وهو كفارس في حضرة الموت, يرغب في قبر يليق به, ترسمه أطراف الأسنة:
"خذانى فجرأني ببردي إليكما فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي وردا على عيني بعض ردائيا"
ولكنه
في هذه اللحظة العنيفة, من السقوط المدوي للفارس في قبضة الموت, تتفجر في
ذاته كل عاطفة الحياة, والمكان, والأهل, وهو يبدأ من هنا، من هذا الحنين
لرمل الفضاء ولأهله:
" ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضالم يقطع الركب عرضه وليت الغضاماشي الركاب لياليا
قدكان في أهل الغضا لودنا الغضاء مزار ولكن الغضاليس دانيا"(116)
واذا
كان مالك بن الريب, وهو من بني تميم, ودع حياة الصعلكة, بعد طول تشرد،
وانتهى للخروج مع جيش الفتح الى خراسان, فإن سواه من صعاليك بني تميم, لم
يسلكوا مسلكه. فقد بقوا لصوصا وطفارا يتعرضون للقوافل ويغيرون عليها
فيطاردهم السلطان. من بينهم يذكر أبوالنشناش.، كان من
«ملاص بني تميم » (117)
على ما يذكر الأصفهاني، ويعترض القوم مع جماعة من شذاذ العرب بين طريق
الحجاز والشام. وقد ظفر به بعض عمال بني مروان فحبسه, وقيده مدة, ثم تمكن
من الهرب, وله أبيات يذكر فيها تشرده, وذهابه فيالفجاج, لأنه متروك لمصيره, ولا يتعهده الأقارب: وسائلة أين ارتحالي وسائل ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه
مذاهبه أن الفجاج عظيمة اذا ضن عنه النوال أقاربا(118)
وكان لأبى النشناش التميمى عصابته, وكانت للسمهري بن بشر العكلي عصابته المؤلفه من بهدل ومروان الطائيين (119).
ومن الصعاليك الخلعاء يذكر قيس بن الحدادية. ينتهينسبه الى خزاعة بن عمرو خلعته قبيلته, وكانت قد حرضت عليهفئة منهم يقال لهم بنوقمبر، فجمع لهم قيس شذاذا من العربوفتاكا من قومه, وأغار عليهم فقتل منهم رجلا يقال له ابنعش (120).
ومن الخلعاء يذكر ابو المطمحان القيني، وحاجز الأزدي،وأبوحردبة المازني، ووصف أبو الطمحان القيني، بانه كانخاربا صعلوك (121)، والخارب سارق الابل خاصه, ثم نقلالى غيره اتساعا، وكان أبو حردبة يغافل القافلة ويسرق البعيرمع راكبه, ثم يفاوضها على رده (122).
وعد طهمان بن عمرو الكلابي من بين اللصوص. قيل إنالحرورية أسرته, فهرب راكبا ناقة من إبلهم, خاسروه ثانية,وأنزلوا به عقوبة السارق, فقطعوا يده, فقدم على عبدا لملك بن مروان, وأنشده قصيدة يسأله فيها دية يده(123).
ومن
الصعاليك اللصوص جحدر بن مالك الحنفي، ويسمى جحدر بن مالك العكلي, سجنه
الحجاج بالكوفة, وكان شديد البأس يقطع القافلة باليمامة فأمر الحجاج عامله
أن يقبض عليه, فأرسله الى الحجاج مكبلا، وخيره الحجاج بين أن يقطع رأسه أو
يصارع أسدا فارتضى الأمر الثاني وصارع الأسد وصرعه (124). وعرف من بنى عكل أيضا، الخطيم العكلي, وهومن الخلعاء الشذاذ (125).
كما عرف عبيد بن ايوب العنبري, وشعره شعر نفرة وتوحش يصف نفسه بأنه من
كثرة ما أخي البادية وعاش مع كائناتها, أصبح يشبه الجن, لشدة مصاحبته لها:
أخو فلوات صاحب الجن وانتحي عن الانس حتى قل تقضت وسائله
لهنسب الانسى يعرف نجره وللجن منه شكله وشمائله
وله أبيات في وصف خوفه وطيرته, يغوص فيها على الذبذبات الخفية لنفس الخائف, ويظهر ما تحدثه الطيرة في نفسه من هلوسة وأخيلة:
لقدخفت حتى خلت ان ليس ناظر الى أحد غيري فكدت أطير
وليس فم إلا بسري محدث وليس يد إلا الى تشير(127)
وقد تاب عبيد بن أيوب العنبري عن اللصوصية, في أخر أيامه, وقال بعد توبته:
أشكو الى اللهصبري عن رواحلهم وما ألاقي إذا مروا من الحزن
قل للصوص بني الخناء يحتسبوا بز العرق وينسوا طرفة اليمن
فرب ثوب كريم كنت آخذه من التجار بلا نقد ولاثمن(128)
والوحشة
من الانسان والمجتمع, والاستئناس بوحوش الفلوات, وجن الصحراء, أمر يلتقي
عنده الصعاليك, فالأحيمر السعدي يقول, واصفا أنسه بالذئب, ووحشته من
الانسان:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذعوى
ولوحانسان فكدت أطير
ولعله سبق بهذا القول, الفيلسوف هوبز في نظرته الذئبية للانسان, التي عارض فيها مقولة أن "الانسان أخو الانسان » بقوله المأثور «الانسان ذئب الانسان ". وللاحيمر حجته الطريفة في تبريره للسطو على رحل التجار، وحقه في أن يكون لهبعير، ما دام في يديه حبل. فمن العار عليه أن يكون في يديه حبلبلا بعير، وبعران الله في البلاد كثيرة. كما يقول:
واني ستحي من الله أن أرى أجرر ليس فيه بعير
وأن أسأل الجبس اللئيم بعيره وبعران ربي في البلاد كثير(130) وله بيت من الشعر يستبشر فيه بنهيق الحمار، ويعتبرهطائر يمن, لأنه دليل على قرب القافلة. يقول:
نهق الحمار فقلت أيمن طائر إن الحمار من التجار قريب(131) ولا يستكمل وصف الصعاليك اللصوص في العصر الأمويمن دون ذكر القتال الكلابي. وهو من عشائر بني كلاب في نجد.
وقعت أخباره في أيام معاوية بن أبى سفيان ولعله عاش فيالدوله المروانيه وعاصر الراعي والفرزدق وجرير(132).
والقتال لص, وخارج على الدولة, بل هو خارج على المعنىالحضري نفسه, أي على المجتمع, فهو يفتخر بدمه البدوي،وبانه لم يذق «لبأ الاماء»(133) على ما يقول:
تعدو النجاء بمضرحي لم يذق لبأ الاماء غداة غب المولد
وبأنه واضح النسب:
لا. أرضع الدهر إلا ثدي واضحةلواضح الخد يحمي حوزة الجار(134)
وسبب تطوحه في البادية, ومعايشته لكائنات الصحراءووحوشها, هو خلع قبيلته له, وتنصلها منه, بعد أن أحب ابنةعمه, وقتل أخافا الذي اعترض على هذا الحب, فأصبح طريدقبيلته, وطريد السلطان. ولعل ذلك كان في أيام مروان بنالحكم. وهو يصف أثناء تشرده صحبته لنمر في غار، كانيشاركه السكن, وتتكفل الأروى وهي الوعول بطعامهما معايقول:
" ولي صاحب في الغارهدك صاحب هو الجون إلا أنه لا يعلل
إلا ما التقيناكان جلحديثنا صمات وطرف كالمعابل أضحل
تضمنت الأروى لنا بطعامنا كلانا له فيها نصيب ومأكل"(135)
ولم يعش القتال من دون زوج وعائلة, على الرغم منتشرده. فقد تزوج ثلاث مرات, وأنجب خمسة بنين وابنتين.وقد اكسبه تشرده صلابة وشرا. فهو صلب في «الحقوالباطل » على السواء بتعبير احسان عباس (136). وسجن فيالمدينة لقتله ابن عمه زيادا, لكنه فر من السجن ليتابع شأنهفي القتل والصعلكة.
وديوان
القتال الكلابي الذي بين أيدينا، يظهر أننا أمام شاعر بدوي بمعنى نقاء
الدم واللغة متشرد، معايش لوحوش الصحراء وأشباحها, إلا أنه رقيق نقي
العبارة, أقرب في غزله الى العذريين, يضاف الى ذلك حلتان تضافان الى شعره,
فهو شاعر أمكنة وحنين حيث يكثر ذكر منازلقومه بني عامر في أبياته وقصائده. «ولبعض أشعاره قيمة الشاهد والمثل"(137). في استعمال الغريب وغير المألوف, فهويستعمل "حوث » بدلا من «حيث »، و«مفيد» بمعنى "مستفيد», ويجمع أمة على «أموان ». وله أبيات أو أشطرأبيات جرت مجرى المثل, كقوله «وهل يخفى على الناسالنهار؟» وقوله «إن العروق إذا استنزعتها نزعت ".
أما
الصورة الأخيرة لصعاليك العصر الأموي، ولعلها الصورة الأكثر بهاء لهؤلاء
فهي صورة عبيدالله بن الحر الجعفي. ولعله كان صعلوكا سياسيا, بل خارجا على
الدولة, اتبع أسلوب الاغارة على أهوال الدولة, ولم يعرف عنه أنه اعتدى على
أهوال الناس.
وقد
ولد هذا الصعلوك الثائر في الكوفة في بني مزجج,, وارتقى بالصعلكة الى مستوى
من التنظيم, بحيث شكل جماعة مقاتلة, أو جيشا صغيرا من الصعاليك, وأخذ يغير
بهم على أهوال الدولة في كثير من النواحي, ويوزع ما يغنم منها على أصحابه,وذلك
في أيام عبيدالله بن زياد وولايته على العراق, كما حارب جيش المختار
الثقفي وحارب مصعب بن الزبير،فسجنه فترة من الزمن ثم أخرجه من السجن,
وأغواه ليستميله, بخراج "بادوريا»,
على أن يحارب عبدا لملك بن مروان, فرفض, وزعم أن خراجها وخراج سواها حق
له, وحارب مصعبا في المدائن, ثم انتقل الى السواد وأغار على الأنبار،
وانتهب ما بها من أهوال ووزعه على اصحابه. وغزا "كسكرا" وقتل عاملها وسلب ما ببيت المال وفرقه على أصحابه.

وهو يسمي أصحابه «أبناء الليل » يقول:
"ولليل أنباء وللصبح أخوة وأبناء ليلي معشري وقبيلي
إذنطقوا لميسمعاللغو بينهم وإن غنموا لم يفرحوا بجزيل "
وكان عبيدالله بن الحر الجعفي, قلقا في ولاء اته السياسية.عرف عنه الصلاح في شبابه, وشارك في معركة القادسية,وطالب مع معاوية بدم عثمان وحارب معه في صفين, ثم انقلبعليه وشهد أمامه بحق علي, ولكنه لم ينصر عليا أو ينضم اليه,ولم يستجب لدعوة الحسين لنصرته, ولكنه ندم بعد قتله,وتحسر على كونه لم ينصره. يقول:
"يقول أمير غادر حق غادر ألا كنت قاتلت شهيد ابن فاطمة
فيا ندمي ألا أكوننصرته ألاكل نفس لاتسدد نادمة
واني لأني لم أكن من حماته لذو حسرة ما ان تفارق لازمة "(138)
هذه هي باختصار, صورة ما ماج به العصر الأموي مننداء للصعاليك, من خلال أشعارهم وأخبارهم لقد شكلوا فئة من هوامش المجتمع تخلت عنها قبائلها او ابتعدت هي بنفسهاعن
هذه القبائل, نحو أعمال البوادي والقفار، فكانت طريدة القبيلة والدولة
معا، وعايشة وحوش الصحراء وكائنات الفلوات واكتسبت من هذه الكائنات سماتها،
من الوحشة والنفر




الموضوع الأصلي : بحث حول الشعر السياسي // المصدر : منتديات أمل تلمسان // الكاتب: moufdi


توقيع : moufdi



الــرد الســـريـع
..




مواضيع ذات صلة





تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة